Travel Stories

من أجل اللاجئين هجرت العمارة

الحلقة الأولى: محطات قبل ترك العمارة

لم يكن باستطاعتي ان انتظر عودتي من العمل التطوعي في مخيمات اللاجئين في اليونان في ربيع عام ٢٠١٦ حتى قدمت استقالتي من عملي كمصمم معماري وانخرطت في عمل جديد يستطيع تقديم شيئ لكل هؤلاء المعذبين في الأرض، شعور بانتفاضة داخلية على سنوات من النعيم في أوروبا طفت على السطح قادتني لاتخاذ هذا القرار الذي لم أتراجع عنه بعد مرور عام ونصف حيث تفرغت لعمل بحثي كامل لخدمة التخطيط الحضري لمخيمات اللاجئين في مركز بحثي.
وقبل أن أخوض في تفاصيل القصة دعوني أبدأ بشرح ما هي السياحة التطوعية: ويقصد بها السفر إلى مكان محدد بغية العمل التطوعي لفترة محددة من الزمن دون مقابل واجر مادي مجزي. ظروف وطبيعة العمل التطوعي تختلف من مكان لأخر، وكذلك الشق الاقتصادي، فبعض المنظمات تشترط أن تدفع تكاليف سفرك وإقامتك كمتطوع في المقابل هناك برامج للتطوع حول العالم تستطيع من خلالها تغطية معظم نفقاتك أو جزء منها. أضف الي ذلك ان هناك سياحة تطوعية قائمة على التنقل والعمل مقابل السكن والطعام وهذا منتشر بشدة في شمال أوروبا، بالاضافة لسياحة شبة تطوعية بحيث يسافر الشخص للمساهمة في تعليم أسرة أو مجتمع صغير مهارات عدة مقابل استضافته خلال فترة التطوع وفي هذا المقام سأتحدث لكم في عجالة عن عملي كمتطوع في مخيمات اللجوء.
تجربتي الشخصية
لقد خضت عدة تجارب في السياحة التطوعية من خلال قيادة مخيمات الكشافة، إلى العمل في مراكز الشباب والتخييم، وأخيرا العمل في مخيمات اللاجئين كعامل إغاثة. خلال هذه الرحلات المتعددة كان هناك عامل إثراء لشخصيتي مختلف في كل مرة من تعلم مهارات قيادية، أو تواصلية، أو حياتية ولكن الأثر الأكبر لمسته في رحلتي الأخيرة التي غيرت بشكل راديكالي نظرتي للحياة. التجربة الاكبر كانت من خلال عملي كمتطوعاً في مخيم للاجئين في اسكندرية، اليونان مع منظمة فود كايند السويسرية البريطانية، حيث احدثت هذه التجربة خاصة تغيرا كبيرا قادني إلى نظرة مختلفة للحياة وليس فقط للعمل.
في شهر فبراير شباط ٢٠١٦ اشتدت الغارات الجوية على محافظة حلب مما شكل حركة نزوح كبيرة للسوريين باتجاه تركيا والتي كانت قد ضاقت مخيماتها باللاجئين فتحولت الجموع مباشرة إلى اليونان عن طريق القوارب البلاستيكية الصغيرة، وكلنا نذكر سويا مئات الصور (ومنها صورة العام ٢٠١٦) التي أخذت على شواطيء اليونان لمهاجرين في غاية السعادة والخوف من المجهول حيث كانت الدموع هي الحاضر المشترك في كل الصور، وبالتزامن مع حركة النزوح الكبيرة للاجئين من تركيا وقدوم جنسيات أخرى مع السوريين بدأت قدرات اليونان الإغاثية تخذلها في مواجهة آلاف اللاجئين الذين يحطون يوميا على شواطئها، مما دفع المتطوعون من كل حدب وصوب لمساعدة اللاجئين وكانت اليونان من الدول التي ساهمت في إدارة هذه الأزمة المتفاقمة من خلال استقبالها للفارين وايوائهم في مراكز الللجوء . في هذه الاثناء توجهت صديقة قديمة لي قادمة من اسكتلندا لجزيرة ليسفوس للمساعدة مع مجموعة من المقيميين في سويسرا حيث تقيم وتعمل في إدارة الأعمال، وقد كتبت لها ليلة السفر متمنيا لها التوفيق حيث ساورتها الشكوك وكانت قاب قوسين أو أدنى أن تتراجع عن هذه الرحلة، فكتبت لها أشجعها وأكدت لها أن العالم في منظورها قبل هذه الرحلة سيختلف تماما بعد الرحلة وهنا سردت لها تجربتي الشخصية في قيادة مجموعات الانقاذ الكشفية في شمال غزة خلال عدة حروب واعتداءات صهيونية وكيف أن العالم يختلف في منظوري الآن عن مشاركتي من قبل في عمليات الإغاثة في الحروب والكوارث. وبالفعل ذهبت الصديقة برفقة زوجها إلى اليونان وبعد اسبوعين عادت من هناك واستقالت من عملها وأسست منظمة مهمتها الاساسية الاهتمام باللاجئين من خلال تقديم الطعام الصحي ووسائل الراحة .
ومع بقائنا على تواصل أخبرتني عن نيتها تجهيز مهمة إغاثية إلى اليونان لتوزيع الغذاء في شهر مايو آيار ٢٠١٦ فكتبت لها أنني مستعد للذهاب معهم لأعمل متطوعاً كمترجما وعامل إغاثة في المخيمات المستهدفة. فطلبت مني كتابة كُتيب يد صغير لمساعدة المتطوعين الجدد في الانخراط في العمل بناء علي تجربتي المسبقة في العمل تحت الظروف الصعبة، وبالفعل كتبت الكتيب وأرسلته لها وقد تلقته بكل ترحيب واستحسان ونشرته وبدأت بالاعلان عن رغبتها في تجنيد متطوعين جدد للعمل معها في الموقع لمدة اسبوعين.
حددت موعد السفر الذي كان في أجازة الربيع التي عادة ما أقضيها مسافرا بمفردي، لكني توجهت هذه المرة مع المنظمة إلى اليونان لتقديم المساعدة في مخيم اللاجئين الجديد في مدرسة الطيران العسكري للجيش اليوناني في بلدة الاسكندرية في مقدونيا بالقرب من تسالونيكي حيث ولد الاسكندر الاكبر بالقرب من البلدة. وصلت عبر الطيران لمطار تسالونيكي في الموعد المحدد ومن هناك وصلت للبلدة عن طريق الحافلات العامة ثم صعدت لقطار محلي قطع بنا مسافة ٢٣ دقيقة و قبل أن أصل للبلدة انتظرتني صديقتي القديمة ولم أكن قد قابلتها منذ ثمان سنوات حيث كنا نعمل سويا كمتطوعين في منتجع كشفي للتزلج في جبال الألب. بعد ما تبادلنا أطراف حديث الترحاب المعتاد ذهبنا إلى السيارة، و فجأة ركبت سيدة عجوز برفقتنا وبدأت تحدثنا باليونانية التي وجدنا صعوبة في التواصل معها لكن ما استوحيناه من حديثها أنها كانت تريد منا أن نساعدها في الوصول للبيت، وبالفعل أوصلناها لبيتها وانفجرنا ضحكاً أنا وصديقتي في السيارة حيث ينتمي كلانا لثقافات باردة (اسكتلندية في سيارة مع شخص تعلم ويعيش في اسكندنافيا منذ عشر سنوات) ذهبنا إلى الفندق حيث استقبلوني بابتسامة معهودة في الاستقبال وبعد برهة من استلام الغرفة التي شاركتها مع : كوبـا شاب تشيكي الذي كان قد سبقني للغرفة بيوم، لم أستطع إطفاء نار حماستي وكنت مصرا على الذهاب إلى المخيم بسرعة كبيرة . استلمت زي المنظمة الرسمي والمكون من كنزة صفراء اللون مع قبعة وطلب مني أن ألتزم بهم حتي يتم تمييزنا من قبل الجيش والشرطة اليونانية عند الدخول والخروج، هذا اللون ساهم في أكثر من تمييزنا من قبل الشرطة والجيش بل منحنا مجانا لقب: (بانانا مان) أو رجل الموز وبات الجميع يلقبنا بهذا الاسم بسبب تميزنا بلون ملابسنا عن أي مجموعات للمتطوعين تعمل داخل المخيم.
“الجزء القادم سأحدثكم عن تجربتي الشخصية داخل المخيم وكيف عايشت الالام والصعوبات التي يواجهها الأهالي
هناك.”

Jamal El-Attar

Jamal El-Attar is a Palestinian researcher in CLUDs LAB, a PhD scholar in International Doctorate in Urban Regeneration and Economic Development (URED) and an architect in D! Absolute Design, Italy.

About the author

Related Posts

Leave a Reply

Leave a Reply

Your email address will not be published.